أحمد مصطفى المراغي
18
تفسير المراغي
يأكلون أموال الناس بغير مقابل لها من عين أو منفعة ، ولكن كلوها بالتجارة التي قوام الحل فيها التراضي ، وذلك هو اللائق بأهل المروءة والدين إذا أرادوا أن يكونوا من أرباب الثراء . وفي الآية إيماء إلى وجوه شتى من الفوائد : 1 ) أن مدار حل التجارة على تراضى المتبايعين ، فالغشّ والكذب والتدليس فيها من المحرمات . 2 ) أن جميع ما في الدنيا من التجارة وما في معناها من قبيل الباطل الذي لا بقاء له ولإثبات ، فلا ينبغي أن يشغل العاقل عن الاستعداد للآخرة التي هي خير وأبقى . 3 ) الإشارة إلى أن معظم أنواع التجارة يدخل فيها الأكل بالباطل ، فإن تحديد قيمة الشيء وجعل ثمنه على قدره بالقسطاس المستقيم يكاد يكون مستحيلا ، ومن ثم يجرى التسامح فيها إذا كان أحد العوضين أكبر من الآخر ، أو إذا كان سبب الزيادة براعة التاجر في تزيين سلعته ، وترويجها بزخرف القول من غير غش ولا خداع ، فكثيرا ما يشترى الإنسان الشيء وهو يعلم أنه يمكنه شراؤه من موضع آخر بثمن أقلّ ، وما نشأ هذا إلا من خلابة التاجر وكياسته في تجارته ، فيكون هذا من باطل التجارة الحاصلة بالتراضي فيكون حلالا . والحكمة في إباحة ذلك ، الترغيب في التجارة ، لشدة حاجة الناس إليها ، والتنبيه إلى استعمال ما أوتوا من الذكاء والفطنة في اختيار الأشياء ، والتدقيق في المعاملة ، حفظا للأموال حتى لا يذهب شئ منها بالباطل ، أي بدون منفعة تقابلها . فإذا ما وجد في التجارة الربح الكثير بلا غش ولا تغرير ، بل بتراض من الطرفين لم يكن في هذا حرج ، ولولا ذلك ما رغب أحد في التجارة ، ولا اشتغل بها أحد من أهل الدين ، على شدة حاجة العمران إليها ، وعدم الاستغناء عنها .